http://sharawy.net/vb/

Visitors since14 Decemder 2011

السبت، ديسمبر 19، 2009

"الفصــــــــل السابـــــــــع" فارس وياسمين

"الفصــــــــل السابـــــــــع"

أخذ فارس ينظر الى القبر الذي جلست عليه ياسمين وكلما فكر أن يفتحه ينتابه شعور كبير بالخوف وتقفز الى مخيلته عشرات الصور عما قد يراه في داخل القبر، ولكن الفضول كان أقوى من الخوف، وأقترب فارس من القبر وأخذ يحرك بلاطة القبر حتى أزاحها عن مكانها، ونظر داخل القبر فرأى غير ما كان يتوقعه، صندوقا قديما من النحاس كان يبدو عليه أنه صنع منذ مئات السنين، فأخرجه من داخل القبر وفتحه ليرى ما بداخله. وفي أقل من لحظة أغمض عينيه وفتحهما خيل إليه أنه سيجد في الصندوق قبل أن يفتحه جمجمة أو يداً مبتورة أو ربما أصبعا أو أي شيء يبعث على الرعب والخوف ولكن فارس وجد ما لم يكن يتوقعه، وجد "وثيقة زواج " قديمة جداً تحمل أسم"سالم قاسم الدهري وجورجيت عيسى الشامي" وخاتمي زواج من الذهب كان واضحاً أنهما لم يستخدما منذ عشرات السنين. كانت الوثيقة مهترئة والعث والعفن فعلا بها يفعل الدهر في تغيير الأشياء. كانت مؤرخة قبل 150 عاماً إلا أنه كان من السهل قراءة المحتويات والتاريخ الذي يدل على توقيعهما قبل 150 عاماً والتي يعتقد أنها سجلت وكتبت في الشام. حمل فارس الصندوق وسار متعرجاً بين القبور في طريقه للخروج من المقبرة وهو يتلفت يميناً ويساراً خوفا من أن يراه أحد أو يقبض عليه أفراد من الشرطة في هذه الساعة وخاصة أنه ما زال يواجه تهمة تدنيس المقابر في المحكمة بسبب أم الجماجم وما حدث في مقبرة طبريا .

سار فارس بين القبور يبحث عن مخرج يخرجه من المقبرة بسلام ولكن على ما يبدو فقد ضل طريقه بين القبور فأخذ يسير من جهة الى أخرى وبحذر عسى أن يجد منفذاً يفضي به الى الخارج. بحث طويلاً ولكن دون جدوى، وكأن المقبرة لم يعد لها أي مخرج، توقف فارس ونظر حوله في كل الاتجاهات ولم يستطع أن يتبين طريقه، قرر أن يسير بأحدى الأتجاهات حتى نهاية المقبرة ومن ثم يقفز عن سور المقبرة رغم أرتفاعه العالي وسار بين القبور في أتجاه واحد وبخط مستقيم، مشى فارس وكلما أعتقد أنه قطع مئات الأمتار كان يفاجأ بأنه قد عاد من حيث بدأ المسير وكأنه كان يمشي على كرة كلما لف لفة عاد الى مكانه، وتوقف بعض الوقت، وأخذ يحدث نفسه "أنا مشيت في هذه الجهة وبخط مستقيم يعني لازم يكون في بداية وفي نهاية يبدو أن الخوف والقلق أفقدني تركيزي ". كرر فارس المحاولة مرة أخرى بعد أن صمم على أن يسير بخط مستقيم وأخذ في حسابه أنه لن يلف حول أي قبر حتى لو قفز عنه ففعل هذا ولكنه عاد الى حيث ابتدأ. أيقن فارس أنه متورط وأن ما يحدث أمر غير طبيعي، وأنه وقع في مصيدة ولن يخرج من هذه المقبرة حيا، تذكر كلام ياسمين حينما قالت له أنها ستفتح له قبراً. دب الخوف والذعر بقلب فارس وراح يشتم نفسه "ما أغباني لقد فتحت قبري بيدي"...!!! هل يعني هذا أني ميت ولن أخرج من هذه المقبرة ، وأستمر فارس بحديثه مع نفسه. وأستمر يحدث نفسه يسألها ويجيب أنا لن أموت، أنني لست ميتا ولهذا كلما سرت عدة أمتار عدت الى نفس المكان فالأموات لا يخرجون من المقابر وأنا لم أجد طريقي، كلا ربما أنا مجرد روح لميت وأن ما يحدث معي يدل على ذلك جسدي مدفون وروحي طليقة يا إلهي ساصاب بالجنون يا إلهي أرحمني، إن كنت ميتا أعلمني وإن كنت حياً أخرجني من محنتي ومن هذا المازق. وسار فارس باتجاه القبر الذي فتحه وفي داخله شك رهيب وخوف قاتل من أن يجد جسده ملحوداً في القبر وأقترب من القبر ونظر الى داخله بحذر، تفحصه بعناية ودقة بحث في أرجائه ولكن لم يجد شيئاً. هز رأسه ساخراً من نفسه محدثاً أياها متمتما: الحمد لله أنا مش مدفون يعني أنا مش ميت، بس أنا أنجنيت وطار عقلي وأنجنيت على كل حال "مجنون مجنون" فمجنون حي "أحسن من عاقل ميت. وألتفت فارس من جديد ليجد على بلاطة باب القبر التي أزاحها ليفتحه كتابة منقوشة بخط محفور على سطحها ولم يكن قد شاهدها من قبل، نظف الغبار عنها وأزاح بعض الطين الذي كان يواري جزءاً منها وقرأ :

في كل قبر سِر ولكل سِر قبر فإذا خرج السر من القبر سار وإن كشف القبر عن السر إنهار فتعال في الظلمة لتكون سري أو أهرب من خيط نور قادم وأغلقني.

وما أن قرأ فارس هذه العبارات حتى تذكر كلمات ياسمين الأخيرة التي قالتها له قبل أن تغادر المقبرة "فارس إن طلعت الشمس بيكون الوقت فات" وأغلق فارس القبر بسرعة وحمل الصندوق وأخذ يركض مسرعاً وما هي إلا عدة أمتار فقط حتى وجد نفسه خارج المقبرة وكانت الشمس قد بدأت بالبزوغ مشرقة، تنفس فارس الصعداء وأيقن أنه قد قضى ساعات طويلة داخل المقبرة وسار باتجاه سيارته، فتحها وألقى بجسده على الكرسي وأدار المفتاح ليشغل المحرك وفي لمحة عين انطلقت السيارة بسرعة جنونية. نظر في المرآه ليرى كتلة من السواد تجثم في الكرسي الخلفي، تملكه الخوف وأدار رأسه الى الخلف ليجد ياسمين تقول له وهي تتثائب: صباح الخير يا فارس. وبحركة سريعة وخفيفة أنتقلت من المقعد الخلفي الى المقعد الأمامي الى جانب فارس، وتكمل حديثها وهي تتثائب: ليش طولت يا فارس، أنا ظليت أستناك حتى نعست ونمت بدون ما أدري عن حالي

فقال: أنت عارفة ليش أنا طولت ولأ بتتخوثي ..!!

فقالت: شو مالك على هالصبح، أنا شو بعرفني مش يمكن أعجبتك القعدة علشأن هيك طولت ...!!

قال: ياسمين أنت الشيطان بحالو أنت الشيطان اللي بنشوفوا في الأفلام الأجنبية، واللي صار معي في المقبرة معناه عمل شياطين.

فقالت: طيب يا حبيبي بلاش تشوف أفلام أجنبية كثير علشان صحتك وعقلك ما يصير ترلّلي, وأحكيلي شو صار معك ، أنا مش فاهمة أي شي ...

فقال: ما أنت عارفة شو اللي صار، أختفت كل أبواب المقبرة، وما كان إلها نهاية، أنت بدك تجننيني خليتيني أفتح القبر ، أنت أكيد ساحرة أنت مش أنسانة مستحيل تكوني أنسانة، في واحدة في الدنيا كلها بتدخل مقابر في الليل وبتعمل اللي أنت بتعمليه، أنت شيطانة واللي بتعمليه واللي شفتو منك من يوم ما عرفتك شئ بخلي العقل يطير وما بيقدر عليه أنسان، شو بدك مني قولي لي وخلصيني، وإن كان هدفك تجنينيني، فانا أنجنيت وخلاص.

فقالت: يا حبيبي من ناحية ـنك راح تنجن، ـنت راح تنجن ـكيد وهذا الموضوع ما في عندي فيه أي شك، بس لسه بكير عليك، وإذا كنت يا حبيبي بتقول عني شيطانة، فأنا أحلى شيطانة في حياتك. وعلى فكرة يا حبيبي بكره حتعرف أنو إذا كان في شياطين، فتاكد أنهم تعلموا الشيطنة في مدرسة أجدادك، والشياطين يا حبيبي ما بتخلف ملائكة، وبكره حتعرف أصلك الراقي علشان تروح تنام وترتاح وتحلم أحلام سعيدة وبرضو أنا تاخرت ولازم أروح هلا أتحرك وبنحكي في الطريق. حرك فارس السيارة وسار يشق طريقه مسرعاً باتجاه مدينة الناصرة وعشرات الأسئلة تدور في رأسه أفقدته القدرة على التركيز في شيء، ويبدو أن ياسمين أدركت حجم الأرهاق والتعب الشديد الذي ألم بفارس، وطلبت منه أن يوقف السيارة على يمين الشارع وأن ينزل منها .

فقال: ليش شو في ؟ أوقف فارس السيارة ونزلت ياسمين وأتجهت الى الباب الآخر وفتحته وقالت لفارس: أنزل يا حبيبي لا تخاف. نزل فارس من السيارة حائراً من طلب ياسمين ذات وطلبت منه أن يجلس في الكرسي مكانها وركبت هي خلف المقود وأمام حيرة وذهول فارس من هذا الموقف، ومع عدم أعترضه وأنه لم يتفوه بكلمة واحدة، إنما أبتسم معجباً بالطريقة التي تصرفت بها ياسمين. أدارت السيارة وقادتها ببراعة فائقة وكأنها خبيرة سواقة من عشرات السنين .

فقال فارس: ياسمين أنا لا أفهم كيف بتقدري تشوفي من ورا هالخمار الأسود .

فقالت: اللّي تعود على العتمة والظلام بيقدر يشوف في العتمة والظلام، فكيف من وراء هالخمار، من ورا الخمار يا

فارس بقدر اشوف الناس على حقيقتها ...!!

قال: شو وجع هالقلب وحيرة هالدماغ يا ياسمين، أنت حيرتيني معاكي ...أنت حلوة ومثل فلقة القمر ومش فاهم ليش لابسه أسود كنك بتجيبي الشؤم مثل الغراب .

قالت: أنا بعرف أني حلوة وأحلى من القمر كمان، بس أنا ما بحب يشوفني إلا جوزي وأبو بناتي . قال فارس: متفاجئاً ..أنت مجوزة يا ياسمين ...؟!

قالت: لا يا حبيبي أنا مش متجوزة بس عن قريب ناوية أتجوزك أنت علشان نخلف بنات حلوات يطلعوا لأمهم، ويكونوا أحلى من القمر ...

قال: طيب ما دمت أنا اللي حتتجوزيه ورايح أصير أبو بناتك وأولادك، ليش ما تشيلي خمار الشؤم عاد... فقاطعته وقالت: أبو بناتي مش ولادي علشان أحنا ما بنحب نخلف أولاد وبعدين أحنا ما تجوزنا بعد عشان أشيل الخمار ، وعلشان نتجوز لازم أنت توافق تسكن معي ...

قال: أنا يا حبيبتي مستعد أسكن معك وين ما بدك، إن شا الله في جهنم ، أنت أطلبي وأنا بنفذ !!!

قالت: لا يا روحي خلي جهنم لعيلتك وذكورها، أنا وأنت حنسكن في قبر حلو ومرتب.

قال: ياسمين ...خليني أرتاح، وقولي لي مين أنت وشو حكايتك مع القبور ؟؟؟

فقالت: في الصندوق اللي طلعتو بداية الحكاية، وفي الصندوق أنكتب قدري وقدرك واللي بصير لا هو ذنبي ولا ذنبك ، علشان هيك ما تسألنيش كثير، دور بنفسك فكل شيء أنكتب ومصيرك ملعون قبل ما تنولد ولاتلومني على اللي بدو يصير لوم أجدادك والعنهم كل حين.

قال: أنا مش فاهم يا ياسمين كل اللي في الصندوق دبلتين ووثيقة زواج فيها أسماء، أنا شو دخلي فيها، أنا لا بعرف جورجيت الشامي ولا بعرف سالم الدهري ...؟

فقالت: أصلي وأصلك من هون ابتدا ………...

***************************************************

والى اللقاء في الفصل الثامن بمشيئة الله